سلطت صحيفة "ذا سبوكس مان ريفيو" الضوء على انتفاضة "جمعة الغضب" في مصر عام 2011، مُصوِّرةً التوتر الذي ساد محيط جامع الأزهر خلال الربيع العربي. مُستعرضًا أبرز اللحظات الثورية وصولاً إلى الوضع الراهن. 

 

كانت البداية عندما انبعث دوي خافت من داخل الجامع الأزهر، ثم تحول إلى هدير: "الشعب يريد سقوط النظام"، حاولت الشرطة المصرية إغلاق المخارج، لكن محاولتها باءت بالفشل. وتدفق الناس إلى الشارع، وانضموا إلى من كانوا قادمين من مساجد ومناطق أخرى، والذين كانوا يسيرون بالفعل باتجاه ميدان التحرير وسط القاهرة.

 

مرحلة ما قبل ثورة يناير

 

تقول هولي بيكيت معدة التقرير: "نجح المصريون المتعطشون للتغيير في الإطاحة بدكتاتور، لكنهم لم يتمكنوا من إسقاط النظام الاستبدادي"، وأشارت إلى أن فترة وجودها آنذاك في مصر، حيث وثّقت تغييرات هائلة "كانت قصيرة، لكنها غيّرت حياتي".

 

وأضافت: عندما وصلتُ إلى القاهرة في يناير 2008، كان الرئيس حسني مبارك يقترب من عقده الثالث في السلطة، ولم تكن هناك أي مؤشرات- على الأقل من الخارج- على أنه سيتخلى عن قبضته. إلا أن الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية التي اندلعت بعد ثلاث سنوات، لم تؤدِّ فقط إلى استقالته، بل أثرت على ملايين الأشخاص وغيرت وجه المنطقة.

 

وتابعت متذكرة الأوضاع آنذاك: "كنتُ مصورة صحفية في بداية مسيرتي المهنية في صحيفة "ذا سبوكس مان ريفيو" عندما قررتُ ترك عملي فيها والانتقال إلى مصر. مدفوةا بفضولٍ رافقني طوال حياتي تجاه العالم واهتمامي بشمال أفريقيا والشرق الأوسط، خططتُ لتجربة العمل الحر في مجال التصوير الصحفي. بدت مصر آمنة، كما ظننتُ- يحكمها حاكمٌ مستبد، لكنها مستقرة. لا بدّ أن تكون كذلك، كما اعتقدتُ، مع وجود ملايين السياح الأمريكيين والأوروبيين الذين يزورونها سنويًا".

 

وأضافت: "تعاملت الحكومة الأمريكية مع مصر كحليف رئيس، حيث قدمت لها أكثر من مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية واقتصادية في السنوات التي سبقت عام 2011، مارست السلطات المصرية شكلًا من أشكال الديمقراطية، مُظهرةً بذلك نظامًا استبداديًا مقبولًا. تضمن ذلك منح تراخيص صحفية رسمية لوسائل الإعلام والصحفيين المصريين والأجانب المستقلين، والتسامح مع قدر من المعارضة، والانتقادات الصادرة عن بعض منظمات حقوق الإنسان، وإجراء انتخابات وطنية دورية".

 

مع ذلك، وصفت مصر من الداخل بأنها كانت "دولة بوليسية. وكان بإمكان أمن الدولة، احتجاز أي شخص ينظر إليه على أنه يشكل تهديدًا إلى أجل غير مسمى".

 

وأوضحت "في ظل قانون الطوارئ، واجه المصريون الاختفاء القسري والتعذيب وظروف سجن مروعة. وخلص تقرير عالمي صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2011 إلى أن نشطاء شبابًا وشخصيات معارضة سياسية كانوا يختفون بشكل منتظم في نظام سجون سرية، معزولين عن عائلاتهم ومحاميهم، ليظهروا بعد أشهر ويعترفوا علنًا بالجرائم التي اتُهموا بها".

 

انتفاضة المحلة 

 

وأشارت إلى أنه "أربما لهذا السبب – من الخارج – بدت مصر هادئة ومستقرة للغاية، لكن مصر كانت تغلي؛ إذ أدت الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008 إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بالنسبة للمصريين، الذين يعيش الملايين منهم على دولارين أو أقل في اليوم".

 

وفي أبريل 2008، احتجاجًا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خطط عمال النسيج في المحلة الكبرى بدلتا النيل لإضراب، إلا أن مئات من رجال الشرطة قمعوه. ويتذكر الصحفيون المصريون ندرة هذا النوع من المعارضة العلنية التي تصدرت عناوين الأخبار، وكيف كان ذلك غير متوقع. انبثقت حركة شباب 6 أبريل من هذا الإضراب، لتصبح قوةً رئيسةً في حشد الاحتجاجات مع بداية الانتفاضة المصرية.

 

وفي يونيو 2010، ضربت الشرطة مبرمج الكمبيوتر خالد سعيد، البالغ من العمر 28 عامًا، حتى الموت أثناء اعتقاله في مدينة الإسكندرية، وانتشرت صور جثته المشوهة على نطاق واسع. وأصبحت مجموعة دشنت على موقع "فيسبوك" بعد وفاته، تحمل اسم "كلنا خالد سعيد"، نقطة تجمع للتعبير عن الغضب إزاء وحشية الشرطة والفساد والإفلات من العقاب.

 

وبعد أشهر، أدلى المصريون بأصواتهم في انتخابات برلمانية شابتها تقارير عن ترهيب وتجاوزات من جانب السلطات المصرية وقوات الأمن، ولم يبدُ أن صناديق الاقتراع في مصر تُمهد الطريق للتغيير الديمقراطي.

 

وصلت قطاعات واسعة من السكان - من عمال وشباب مؤيدين للديمقراطية وجماعات سياسية ومجتمع مدني معارضة وعامة الناس - إلى نقطة حرجة في نظام يفتقر إلى الحقوق السياسية والمدنية. ولجأ عدد متزايد من النشطاء إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك وتويتر، لنشر المعلومات بسرعة وتنظيم التحركات.

 

وعلقت بيكيت: "ربما لم تكن كل هذه الأحداث لتتحول إلى ثورة لولا تونس. ففي 14 يناير 2011، أطاح التونسيون بحاكمهم المستبد عبر احتجاجات شعبية منظمة. واستقال الرئيس زين العابدين بن علي وفرّ من البلاد".

 

الإطاحة بمبارك 

 

وذكرت أنه "بعد أحد عشر يومًا، في 25 يناير 2011، دعا نشطاء شباب مصريون مواطنيهم إلى مسيرة سلمية احتجاجًا على الفساد والبطالة ووحشية الشرطة. لم يكن اختيار هذا التاريخ مصادفة، فقد كان يوم الشرطة، وهو عيد وطني مصري يُحتفى فيه بإنجازات الشرطة".

 

وتابعت: "أتذكر أنني فكرت، "لا سبيل لحدوث ثورة في مصر". كان للمصريين الحق في الخوف من قادتهم وقوات الأمن التي أبقتهم في السلطة"، لكن شيئًا ما قد تغير، في ذلك اليوم، أغلق حشدٌ من المتظاهرين الشارع وهم يهتفون. التقطتُ صورًا للحشد المتزايد مع انضمام المزيد من الناس، الذين ملأوا أربعة مسارات مرورية عبر شارع رمسيس. أغلقت صفوف من الشرطة مخرج نقابة المحامين، فلوّح المحامون بالأعلام المصرية وهتفوا من سطح المبنى للمتظاهرين الذين كانوا يسيرون في الأسفل باتجاه ميدان التحرير".

 

وقالت إن "المئات من رجال شرطة مكافحة الشغب الشباب كانوا يرتدون ملابس سوداء، ينتظرون المتظاهرين. لن أنسى أبدًا نظرات القلق التي ارتسمت على وجوه الشرطة عندما اقتحم المتظاهرون الحواجز المعدنية. استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، فردّ المتظاهرون بالحجارة. وفي نهاية المطاف، خفّت حدة العنف، وبقي المتظاهرون في أماكنهم. وعلى مدى اليومين التاليين، حاولت السلطات المصرية قمع الاحتجاجات، فاعتقلت المئات، وفرّقت المتظاهرين، وأغلقت ميدان التحرير في 27 يناير".

 

لكن بحلول ذلك الوقت، ذكرت بيكيت أن جماعة الإخوان المسلمين التي كانت أكبر جماعات المعارضة وأكثرها تنظيمًا في مصر، قد انضمت إلى القضية. وكانت هذه الجماعة هي التي دعت إلى يوم الغضب، بعد صلاة الجمعة.

 

في 28 يناير 2011، غمرت القوات الشرطة وأجبرتها على ترك مواقعها، "إنه اليوم الذي انقلبت فيه الأمور نحو حالة من عدم اليقين الحقيقي" كما تصف المصورة الصحفية الوضع آنذاك.

 

استمرت الاحتجاجات لمدة 18 يومًا، وتمسك مبارك بالسلطة، حاول وحزبه الحاكم، عبر وسائل الإعلام الحكومية، تأليب الرأي العام ضد المتظاهرين. وألقوا باللوم في الاحتجاجات على أعداء مصر التقليديين: جماعة الإخوان المسلمين والمخربين الأجانب المتربصين– في هذه الحالة، جواسيس غربيون وقناة الجزيرة الإخبارية المملوكة لقطر، كما تقول.

 

وأشارت إلى أن "هذا جعل العمل الصحفي - وكونك غير مصري - أكثر صعوبة وخطورة. في صباح أحد الأيام، بينما كنت أصور أسواق المواد الغذائية في الوقت الذي كان فيه زميل لي يغطي تأثير الاحتجاجات على أسعار المواد الغذائية، بدأت امرأة فجأة بالصراخ قائلة إننا من قناة الجزيرة. أمسكت بزميلي، وتجمع حشد من الناس حولنا. حاول الناس انتزاع كاميراتي مني، وأمسكوا بذراعي بقوة، وهم يصرخون".

 

وتذكرت: "بدا احتمال وقوع اعتداء جسدي أسوأ واردًا، لكن تدخل بعض الأشخاص. في مصر، يوجد دائمًا شخص واحد على الأقل يحاول المساعدة. اقتيدنا إلى مبنى شرطة مهجور واحتُجزنا حتى وصول شرطيين يرتديان الزي الرسمي. لم تكن هذه المرة الأولى التي أُعتقل فيها كمواطن في مصر، لكنها كانت الأكثر رعبًا. بعد تهدئة الحشد والتحقق من بطاقاتنا الصحفية المصرية، تظاهرت الشرطة باحتجازنا، ثم ابتعدت بنا بضعة شوارع وأطلقت سراحنا".

 

في غضون ذلك، احتشد آلاف المتظاهرين في ميدان التحرير. نصب الناس الخيام، وأقام المتطوعون نقاط تفتيش مؤقتة عند المداخل الرئيسة لضمان عدم دخول أي شخص مسلح إلى الاعتصام. قدم مصريون إلى القاهرة من مدن أخرى لزيارة الميدان، وقام شبابٌ بارعون بتوصيل الكهرباء والإنترنت. تباينت الأجواء بين الفرح والغضب والفخر والدهشة والريبة. أحيانًا كان الجو أشبه بمهرجان شعبي أو احتفال موسيقي، وفي أحيان أخرى كان يسوده التوتر.

 

واستطردت بيكيت في وصفها: "كما حافظ الجيش المصري على وجوده، ظاهرياً لحفظ السلام. ونظرًا لدوره في حماية الاعتصام من المتظاهرين المؤيدين لمبارك وقوات أمن الدولة، رحّب قادة الاعتصام والمعتصمون بالجنود ودباباتهم. ويبدو أن حقيقة كون الجيش يمثل ذراعًا قويًا للنخبة الحاكمة قد تم تجاهلها لفترة وجيزة".

 

استقال مبارك في 11 فبراير 2011. تقول بيكيت: لقد استنتجت أنه إذا استطاع المصريون التخلص من ديكتاتور في بلادهم، فإن كل شيء ممكن، لكن عقب الإطاحة به، تدخل الجيش، وتحديدًا المجلس الأعلى للقوات المسلحة، متعهدًا بقيادة مصر نحو حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًا. سُمح بإجراء انتخابات مفتوحة وحرة ونزيهة، لكن الجيش لم يتخلَّ عن السلطة قط. وبالنظر إلى الماضي، كان تدخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمثابة "انقلاب مُقنّع بالديمقراطية"، كما وصفته المؤرخة زينب أبو المجد في مقال لها عام 2012.

 

مصر تحت حكم المجلس العسكري 

 

وأشارت إلى أن النشطاء أدركوا متأخرًا أن الحركة الديمقراطية كانت تحت رحمة جنرالات مبارك. فلم ينتهِ اعتصام التحرير؛ بدا وكأنه الوسيلة الوحيدة التي يملكها الثوار - احتجاجات جماهيرية صاخبة ولكنها منطقية، هذه المرة ضد المجلس الأعلى والحكم العسكري.

 

ووصفت بيكيت ثورة 2011 و2012 بأنها أحدثت انقلابًا جذريًا في مصر. ففي كل يوم جمعة، كان ميدان التحرير يعجّ بالخطب والصلوات. وتحوّل الاعتصام إلى نقطة انطلاق للمسيرات المتجهة إلى مباني وزارة الداخلية ومجلس الوزراء والبرلمان القريبة. وفي بعض الأحيان، كانت تندلع اشتباكات مع الشرطة. وفي بعض الأحيان، كان سكان القاهرة يستيقظون ليجدوا شارعًا يؤدي إلى مبنى حكومي مغلقًا بجدران خرسانية ضخمة، كما لو أن عملاقًا دخل ليلاً ونسي جمع مكعبات الليجو. واستغلّ النشطاء هذه الجدران وغيرها كلوحة فنية لعرض أعمال فنية جدارية بارعة وعميقة.

 

وقالت المراسلة الصحفية: " إذا لم يكن التواجد الدائم للحراسة في ميدان التحرير أو الجدران التي تقسم الشوارع السكنية إلى قسمين دليلاً على هشاشة الثورة المصرية، فإن انهيار الأمن، بل وغيابه التام في بعض الحالات، كفيل بذلك. فقد شهدت الحياة داخل الميدان وخارجه حوادث عنف مروعة".

 

وتطرقت إلى أحدث مجزرة بورسعيد في فيما وصفته بأنه إحدى أكثر هذه الحوادث فتكًا تلك التي راح ضحيتها 74 شابًا وأُصيب المئات بجروح في أعمال شغب اندلعت في ملعب بورسعيد عقب مباراة كرة قدم بين نادي الأهلي والمصري في الأول من فبراير 2012. وأفاد شهود عيان أن الشرطة وقفت مكتوفة الأيدي بينما هاجمت جماهير النادي المنافس جماهير الأهلي، التي تُعرف في مصر باسم "ألتراس". وكانت جماهير الأهلي والزمالك من أوائل المشاركين في انتفاضة 2011. واندلعت احتجاجات في القاهرة عقب المجزرة، حيث تساءلت عائلات وأصدقاء الضحايا عما إذا كان إراقة الدماء انتقامًا سياسيًا.

 

الانقلاب على مرسي 

 

في يونيو 2012، انتخب المصريون محمد مرسي، المنتمي لحزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، كأول رئيس مدني للبلاد. وبعد عام، دبر الجنرال عبد الفتاح السيسي انقلابًا عسكريًا، ألغى بموجبه الدستور المصري الجديد، ووضع مرسي قيد الإقامة الجبرية. وفي يونيو 2014، أصبح السيسي رئيسًا. وهو في السلطة منذ ذلك الحين.

 

ووصفت بيكيت مصر في عهد السيسي بأنها "شهدت واحدة من أحلك فترات تاريخها ما بعد الاستعمار فيما يتعلق بحرية الصحافة وحقوق الإنسان والحريات المدنية. فقد جرّمت الدولة المصرية المعارضة والاحتجاجات العامة والبحث الأكاديمي والتقارير التي لا تروق لها، بل وفي بعض الحالات، لجأت إلى توفير التمثيل القانوني للمتهمين. ومنذ عام 2014، حوكم آلاف المدنيين المصريين وأصدرت بحقهم أحكام في محاكمات جماعية عسكرية".

 

وقالت المراسلة: "غادرت القاهرة إلى إسطنبول في يناير 2013. ورغم أنني عدت مرتين، إلا أنني في الغالب شاهدت صحفيين أعرفهم ونشطاء شباب قمت بتصويرهم - والعديد من المفكرين والمدونين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم - يختفون في متاهة سجون مصر، محتجزين دون تهمة لسنوات قبل الحكم عليهم بفترات سجن إضافية طويلة".

 

وبحسب مؤشر حرية الصحافة العالمي السنوي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، تحتل مصر المرتبة 169 من بين 180 دولة في مجال حرية الصحافة. وتصنف لجنة حماية الصحفيين مصر حاليًا في المرتبة الثامنة في استطلاعها السنوي لأكثر الدول سجنًا للصحفيين في العالم. ويصنف التقرير نفسه مصر في المرتبة الثالثة، بعد إسرائيل وإيران، في سوء معاملة السجناء.

 

لكن المصريين لم يتوقفوا عن المطالبة بالحريات المدنية. وبعد خمسة عشر عامًا، حتى في هذا الوقت العصيب، لا تزال روح الثورة حية، كما تقول المصورة الصحفية.

 

https://www.spokesman.com/stories/2026/jun/07/arab-spring-egypt-in-the-time-of-revolution/